لحظات فارقة .

لا أتصور أن يمر عام كامل دون أن تطأ أصابعي مدونتي الغالية ولا يُتصور أن يمر عام 2011 دون أن أتحدث عبر منبري مخاطبا نفسي قبل أي كائن آخر فلعلني أُذكرها بما لا تنساه لكن على الأقل أضعه أمامها لتعود إليه من حين لآخر ولتتكأ عليه بعد مضي سنون العمر وما أسرع مضيها !!

قبل عام 2011 كنت حين أكتب أشعر أني أرغب في البوح بما تنوء به أكتافي ويضيق به صدري ، كنت مثل كل شباب هذا الوطن الجريح أصرخ في فضاء دون أمل قريب أو رغبة في حياة ، وكنا كثيرا ما نهدأ بكلمات تصب اللعنات على الوضع القائم وعلى مصرنا التي سُرقت منا أو نحلم بيوم الهروب منها بالهجرة لغيرها لنضلل أنفسنا بمثل قول فاروق جويدة ( اشتقت يوما أن تعود بلادي .. غابت ، وغبنا ؛ وانتهت ببعادي ) ، لكن مع مطلع يناير الذي أتى لنا بقدر الله وخلاصه من الطاغية على أيدينا تبدل الحال حتى كنا قد حيينا بعد سبات عميق واستكانة ممقوته ماتت يوم 28 يناير .

جمعة الغضب 28 يناير ذلك اليوم الذي لن أنساه ما حييت ولن تهفو ذاكرتي عن تفاصيله بكل دقة لكثرة تفاصيله وما شعرته فيها حين بدأنا التحرك من مسجد القائد إبراهيم تتوحد هتافاتنا التي بدأت بالتكبير ( الله أكبر ) ثم سرعان ما علا الصوت في نفس واحد من الجموع الثائرة ( مش عايزينه .. مش عايزينه ) ثم بعد دقائق قامت قوات الأمن بتفريق جموعنا بإطلاق القنابل المسيلة للدموع فتفرقت أجسادنا لكن مع توحد هتافنا الأثير ( الشعب يريد إسقاط النظام ) الذي كان صوتي دائما يعلو به ليتحول لصراخ في أغلب مرات النطق به ، فمع كثرة الهتافات لم يكن يعلو صوتي كثيرا بل كان خافتا أو هادئا في غالبه مكتفيا بالتدقيق فيمن حولي والنظر في كل شبر أمر به وفي وجوه الناس في شوارع الإسكندرية وما تحويه تعبيراتها من امتنان غالبا وشفقة أحيانا ويأس مرات ورغبة في المشاركة أو شد من أزر ، أمشي بتلذذ ومتعة أن صرخت مع شباب جيلي بحرية وبلا خوف بعد أن كنت قد وقّعت قبلها بأسابيع على بيان التغيير للدكتور البرادعي وأنا في قمة القلق والخوف من تتبع أمن الدولة حتى أن ثُرت على نفسي وأنا أوقع قائلا ( اقتل خوفك الملعون هذا .. ما أصابك لم يكن ليُخطأك !!! ) أصرخ مع من يمشي بجواري ( سلمية .. سلمية ) ونعاود بين الحين والآخر ( شارك شارك علّي الصوت ال يشارك مش هيموت ) وننادي على من بالنوافذ والشرفات ( انزل يامصري ) وتعلو أصواتنا لهم ( يا أهلينا انضموا لينا ) ويكتفي أهلنا بإرسال المياه لنا . نلمح أعلى العمارات أعلام مصر ترفرف ونبتسم في هدووووووووء و بين الحين والآخر نتحول لأسود تزأر ( الشعب يريد إسقاط النظام ) .

جمعة الغضب 28 يناير يوم قتلت فيه خوفي وأعلنت فيه عن ثورتي التي عشت سنوات أحلم بها وأسعى لها حتى أني يوما كتبت في مدونتي هذه ما نصه ” والله لو أردت أن أكتب لأعبر عما يعتريني من إحباط لما وسعتني حروف لغتي الحبيبة ولكن أقولها لك بملء فمي :
حُقَّ لي إحباطي ولعله يدفعني يوما لثورة تنجينا مما نحن فيه وتجعل من توريث الفساد أمر عضال على زبانيته قاتلهم الله . ” جزء من تدوينة حُق لي احباطي بتاريخ 10 يوليو 2009
لعل ما كنت قد كتبته هذا يعبر عن اعتزازي الشديد بيوم 28 يناير يوم أن استنشقت الغاز المسيل للدموع وكدت أختنق وأنا أهرع من أمام باب مصلى السيدات بمسجد القائد إبراهيم هربا مما أُلقي عليّ ليلتحم جسدي بمئات الأجساد من الشباب والرجال مهرولين ؛ ليقع كل منا أرضا ويسرع كل منا لإفاقة الآخر وهو ملقى على الأرض من تأثير الاختناق .

أطوف الإسكندرية جنوبا وشرقا وغربا عائدا إلى شاطئ البحر بمنطقة كوبري ستانلي من أمام المنطقة الشمالية العسكرية لأصلي عصر الجمعة على أرض الأسفلت قبل أن أعود مترجلا إلى قرب القائد إبراهيم لأرى ما يحدث من تراشق بين الثوار وبقايا الشرطة الغاصبة لأقول في نفسي ( أكتفي بذلك فلست ممن يمسك حجرا ليلقي به في وجه أحد مهما كان ) فأتجه ناحية محطة مصر لأرى سحاب الدخان يغطي سماء محطة الرمل من ناحية مبنى المحافظة لأستقبل القطار متجها لسيدي جابر وهناك أصلي المغرب وأقف في الساحة أمام المحطة لأرى تنويهات التلفاز عن خطاب الرئيس الفاسد وأنباء عن نزول الجيش المصري للشوارع فأقرر إنهاء يومي ولا أتوقع ما هو آت فقد كان غيبا لا يعلمه إلا الله .
قد لا تكون جمعة الغضب أكثر أيام مشاركتي في الثورة فبعده كانت أيام طوال لكن هو بحق سيبقى من أهم أيام حياتي التي أذكرها وأذكر معه يوم 11 فبراير وأنا أصلي المغرب في مسجد بمنطقة فيكتوريا لأسمع صراخ العامة وتكبير بعضهم وأنا ساجد لأخرج فأرى شباب الإسكندرية يغنون ( اوووو اوووو شيلنا حسنييييييي ، اوووو اوووو خلعنا حسنييييييييي ) فأتأمل الوجوه صامتا ، ومبتسما ، وضاحكا ، ومكبرا .. الله أكبر ولله الحمد .
يتملكني شعور الآن وأنا أكتب تلك الكلمات متذكرا أيام ثورتنا الأولى بشيء من الألم على ما وصلنا إليه من تشتت وعدم وضوح رؤية وتلكؤ من المجلس العسكري ومن تأخر تحقيق أهداف الثورة العظيمة لكن لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرا يكلل به جهودنا بما نتمناه .

وأنا أذكر ثورة الشعب تأتيني ذاكرتي لتهمس لي بثورة شباب معلمي مصر ممن منّ الله عليهم بالتعيين بقرار وزير التعليم رقم 75 في مارس 2011 بعد معاناة شديدة بالعمل سنوات طوال بنظام الحصة المهين ، وأقسى ما في هذا القرار أنه لم يُنفذ سريعا بل أخذ شهورا طوال كنت معها مهتما بسرعة تنفيذه ، لا أتوان في إرسال الفاكسات تلو الأخرى مطالبا جهات عدة بسرعة تنفيذه ، ما بين رئاسة الوزراء ووزارة التربية والتعليم ومحافظ البحيرة حتى أرسلت للمجلس العسكري ، لكن لم تفلح أي من هذه الفاكسات حتى تم تنفيذه في محافظة البحيرة وفي مدينة ادكو بتاريخ 31/7/2011 بعد مجهود خرافي من شباب معلمي البحيرة ومعلماتها تمثل في وقفات احتجاجية عديدة ومستمرة أمام مبنى محافظة البحيرة وسفر لوزارة التربية والتعليم ومقابلة مساعد الوزير لي ولزملائي ثم مقابلة لي وأربعة من زملائي مع الوزير شخصيا قمت فيها بحثه على سرعة تنفيذ قراره لنا فعبر لنا عن شعوره بنا لكن أكد أن الأمر بيد وزارة المالية ثم المحافظين فما كان منا إلا أن عدنا للمحافظة لنواصل اعتصامنا وثورتنا السلمية حتى أن بعض زملائنا وزميلاتنا قد قضوا أحد الليالي أمام المحافظة في خيام حتى عدنا لهم صباح اليوم التالي لنستكمل معهم ما نسعى إليه من حقوق استمر البحث عنها سنين والمطالبة بها شهورا عديدة حتى أتت لحظة من أروع لحظات عمرنا حين كلل الله جهودنا بصدور قرار المحافظ بالتعيين ثم تبعه قرار وكيل الوزارة رقم 263 بتاريخ 4/7/2011 و تلى القرار المستشار العسكري لمحافظة البحيرة العميد إيهاب سعد ونحن في قمة سعادتنا أن أصبحنا معلمين بعد طول عذاب ، يحتضن كل منا أخيه ويسجد شباب معلمي البحيرة على الأرض أمام مبنى المحافظة ونردد جميعا .. الله أكبر ولله الحمد .

أوقع قرار تعييني وأملأ استماراته في مبنى مدرسة البنات الإعدادية وأنا أردد في نفسي ” أصبحت معلما ” ومن حولي زملائي مبتهجين ، مسرورين ، يتبادلون القفشات ، يخاطبني أحدهم : هنيئا لك يا جناح الثورة الأيمن .. أبتسم قائلا : لست وحدي فكلنا أجنحة .. وتعلو الضحكات وتذوب الابتسامات في فخر ورضا بفضل الله وكرمه .

في 2011 أتممت من عمري الثامنة والعشرين ولأول مرة في حياتي أحتفل بيوم مولدي ويكون لي قطعة تورتة وتأتيني معها هدية جميلة مغطاة بستان أحمر منقوش عليه حرفين أحدهما لأول حرف من اسمي والآخر لمن أهداني الهدية وهي خطيبتي العزيزة وقرة عيني بإذن الله . هذه الجميلة التي تهوى أن تعيش لحظات عمرها كما ينبغي فليست مثلي في عدم اكتراثي أحيانا بمثل تلك المناسبات وكيفية قضائها فمثلي مثل أغلب رجال الشرق قد لا نهتم بمثل تلك الأمور الهامة في حياة النساء لكنها بفضل الله تعوضني هذا باهتمامها الدائم بكل لحظة لنا معا حتى أني تعلمت منها وسبقتها في يوم مولدها بمفاجأة جميلة رتبتها مع أهل بيتها لأرسم البسمة على شفتيها والفرحة تغمر قلبي بسعادتها بي وبمن حضر المفاجأة الجميلة وهديتي لها الغير تقليدية في أول ذكرى مولد لها ونحن معا ؛ فكان يومها سابقا ليومي مختلفا عنه كثيرا لكن اليومين كانا رائعين بنا قبل أي أحد ولله الحمد والمنة .

في 2011 أنتقل من مدرستي العزيزة بير شلبي بمحض إرادتي ورغبتي التي كتبتها وقدمتها لإدارة ادكو التعليمية إلى مدرسة تمنيت كثيرا أن أعمل فيها وهي مدرسة زيتون التجريبية للغات ، تلك المدرسة التي تزخر بكافة الإمكانات التي قد يتطلع إليها أي معلم بالقياس لأي مدرسة أخرى بمدينة ادكو وقد كان انتقالي إليها حدثا غير عادي بالنسبة لي فدائما كنت أقول أني ما كنت لأترك بير شلبي لغيرها على الأقل في هذه المرحلة من عمري ، لكن أعتقد أن التوقيت كان مناسبا جدا فدخلت مدرستي الجديدة في وضع لائق بي وفي ظروف جيدة بالقياس لما أصبحت عليه بير شلبي من كثافة طلابية وما كنت سألاقيه فيها مع تلاميذ الصف الثاني الابتدائي ؛ لأبدأ مرحلة جديدة من عمري المهني مع تلاميذ الصفوف الأكبر سنا ، وها أنا ذا أقوم بتنفيذ أفكار جديدة معهم أثارت إعجاب بعض زملائي وأولياء أمورهم أسأل الله أن ينفعهم بها ويجعلها خالصة لوجهه الكريم ، ويعينني على كل جديد يليق بزيتون التجريبي ويعينني على ما بها من سلبيات لا يخلو منها الآن على الأقل أي مكان في مصر العزيزة .
2011 مليء بالأحداث والمواقف التي تستحق الرصد بالنسبة لي على المستوى الشخصي لكن قد يكون ما سردته سابقا هي أهم الأحداث والعلامات التي لن تُمحى وتستحق التدوين كتابة بعد أن دونتها في ذاكرتي أحداثا وفي صدري تأثرا و شعورا .

دمتِ لي يا مدونتي منبرا وسبيل فيض ، و نسأل الله أن يجعل لنا 2012 عوضا عما لم نُدركه في 2011 .. اللهم آمين .