في ذكرى هرتلة ؛ إليك نشكو .


اللهم أنت القائل :

” إنَّـا كُلَّ شَيءٍ خَلقْنَاهُ بقَدَر ٍ . ” .. وأنا صابرٌ أُرددُ :

” ربَّي إنَّي مغلوبٌ فانتصر ” .

وبدأ 2010 كما لم نتمنه .

لم يكن غريبا أن يحدث في بداية 2010 غير ما تمنيته بالمرة وذلك لما تعودته في حياتي من خير يأتيني ؛ من كثرته لم أعد أستغربه ولا حتى أُعري له إهتماما . و أن يبدأ 2010 بمعاودة تعب الصدر وعودتي للعلاج المكثف لجيوبي الأنفية وصدري معا ؛ فليست بدايات الأعوام بغريبة عليّ وإن كان 2010 نفسه .
لكن أن يحدث مثل ما حدث اليوم فهذا ما لم يخطر لي ببال قط ولم أتوقعه في أشد وأسوء لحظات عمري التي يزورني فيها إحباطي ” على كثرتها ” لأني أبدا لم أكن أتخيل أن يحدث ذلك في مثل تلك الأيام التي انتظرت بدايتها طويلا جدا ، ولا أدري أني انتظرتها حتى أراني في مثل تلك اللحظات ؛ صابرا ، مؤمنا بقضاء الله مرددا وأنا أنظر إليها ” بعض أمل ” في أسى وحزن جمّ – متذكرا أمي فقط و وقع الألم عليها – مسترجعا بــ :
” إن العين لتدمع ، وإن القلب ليحزن ، وإنّا لكٍ لمحزونون ؛ ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا : إنّا لله وإنّا إليه راجعون ” … لا حول ولا قوة إلا بالله .. حسبي الله ونعم الوكيل … ،
وأتأملها وكيف بدت وأصبحت ويُخاطبني مَنْ بجواري بــ :
– وحد الله والحمد لله ع كل حال .. فأُباغته بــ : أنا خايف قوي على أمي .. أمي بس .. خايف عليها قوي .
أساس بيتي .. تم إزالته بالكامل ولم يبق منه غير الفتات .. السور وقع أرضا وكأن لم يكن .. إرتفاع البناء عن الأساس الذي لم يُطاول المترين لم يعد لنصفه وجود .. الطوب الأحمر الذي لم يسعفه الحظ ليُجاور أقرانه على صف البناء – انفرط عقده تماما وبعثره الزبانية وهم يزيلون ” بعض أمل ” .. جدار البناء وقع على أساسه الذي لم يقف شامخا كما تمنيناه .. باب السور وصورته على الأرض يُذكرني بحطام غزة ودمارها في مثل تلك الأيام من العام المنصرم .. كلمات جيراني تنزل عليّ كالماء شديد السخونة الذي يزيد الحريق فورانا .. وذهني مُشتت إلا من أمي .. لأصرخ همسا :

آااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا .. ،
قدّر الله وما شاء فعل .. لعله خير .. بعد إذنكم .
لأُدير وجهي جنوبا متجها للعودة من حيث أتيت ، تاركا ورائي صورة لا تصفها الكلمات وإن خرجت من قلب يعصره الألم .
أمشي وحدي متفكرا ، صابرا ، وكان الخبر قد أتاني وأنا أتوضأ لصلاة الظهر وهاتفني جاري وأنا في حمام المدرسة بعد أن سألني الأستاذ ” م . ر ” عن آخر تطورات الأمر وطمأنته دون أن أدري ما يُحاك في نفس لحظة الإزالة والبناء يقع .
أمشي باحثا عن مسجد لصلاة الظهر التي أنهيتها في أقرب مسجد في الطريق لأبدأ رحلة التفكير في كيف سأخبر أمي ؟ وأنا أُخفي عليها منذ فترة ما أنا فيه من قلق بسبب ما حدث .. كيف سأُخبرها وكيف ستتقبل الأمر ؟ .. ليس أمامي سوى البدء بالحديث عن علامات الإيمان التي تظهر على العبد عند الصدمة الأولى .. نعم ، هكذا تعلمنا أن المؤمن تظهر قوة إيمانه عند الصدمة الأولى .. نعم .. ابدأ هكذا والله المستعان .. وخذ معك ليمون لتشرب عصير ليمون ؛ فأشتري الليمون وتأخذني نفسي لشئ من عند البقال الذي ما إن رآني حتى ابتسم لي وقال :
– أبوك ماسرحش النهارده .. لسه معدي عليَ أهو .. فإذ بي أُصدم لأفكر أيضا في هذا الذي لم يذهب لعمله اليوم .. فآخذ ما طلبته منه ثم أذهب للبيت ممنيا نفسي في التوفيق لكتمان ما بي حتى لحظة يعلمها الله .
أفتح الباب .. أتحسس أمي .. هي ليست في البيت .. أين أمي ؟
تُجيبني أختي بــ :
– راحت الأرض هي وأبوك تزرع الزرع ال جابوه بقالهم كم يوم وعاوزين يزرعوه .
!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
– بتقولي إيه ؟! إمتى ده ؟!!
– من شوية .. حوالي نص ساعة كده .
– نص ساعة بس ؟ ياربي .. حكمتك يارب .. رايحه دلوقت تزرع الزرع ال بقالهم كم يوم ناويين يزرعوه .. حكمتك يارب .. أنا بفكر ازاي هقولها وهي تروح بعد الإزالة بأقل من ساعة علشان تشوف الكارثة بنفسها .. حسبي الله ونعم الوكيل .
أمسك بهاتفي لأتصل بأبي لأمهد له الصدمة حتى لا يحدث ما لا أتمناه .. رصيدي نفذ في المكالمات مع جاري وأنا أتابع الإزالة لحظة بلحظة قبل أن أصل لأجدها انتهت .. أتصل من هاتف أختي لأجد أبي في الطريق وقد ترك أمي تُكمل وحدها وجلس مع أحد معارفه … ،
آاااااااااااااااه .. وحدها ؟
يا أبي ” … أُخبر أبي ببعض ما حدث … ” .. يُصدم ؛ هلحق أمك حالا .
بعد دقائق أتصل لأشحن رصيدي لأتصل مرة أخرى بأبي وهو هناك ليقول لي أنه يجلس مع الجار الذي أخبرني .. أُسارعه بــ :
– أمي .. اديني أمي .. هات أكلمها .. خد ؛ معاك .
أتلهف لصوتها وأشعر بما بها وأخشى عليها فأبدأها بالصبر وترديد الحمد لله .. فتبدأني هي مسرعة بــ :

– >>> يا حبيبي فداك وفدا دفرك أنت وأخوك .. أنت كويس .. أنت سليم .. أنتو عندي بالدنيا .. المهم انكم بخير .
فلا أجد كلمات تنطق غير ” الحمد لله ” .. ماتتأخروش عندكم .. تعالوا بسرعة .. يلا سلام .

” >> أمي .. الجبل ؛ اللهم ارزقها الصبر وأنت أرحم الراحمين << " .

محمد ؛ حياك الله عريس الإسلام .

ليست كأي تهنئة قمت بها في حياتي منذ تعلقت بالكتابة والتعبير بها عما لا تُسعفني به كلماتي المنطوقة ؛ فدائما عهدتني قليل التعبير باللسان في مواقف لا يكون فيها الخير إلا فيما حواه الصدر .. وصدري الآن يحوي من الفرحة التي لا يحتملها بصدق ، غير أنه – أي الصدر – لم يترك للقلب لحظة يمتلأ فيها سعادة وفرح كتلك اللحظة التي أرى في عينيه السعادة وإن حجبتها الملمات .
محمد ؛ أخي ، صديقي ، ابن خالي ، معاملي الموضوعي .. إن شئت أن أصفه لي فلن أجد مايوفيه عندي غير أنه رفيق طفولتي وعنائي .
محمد .. رضي الله عنه بزوجة تملأ حياته في بداية عام 2010، العام الذي حلمت أياما طوال أن يرزقني فيه الله ؛ زوجتي وقرة عيني وسعيت في سبيل ذلك بكل ما أملك من أسباب حتى قَرُب العام وأنا أحمدُ ربي على مابي وأُصبرني بــ ” لعله خير ” حتى صبرني الله بزواجه ليُعوضني به عما تمنيته لنفسي لأن الله يعلم ما في قلبي له وأن سعادته كسعادتي ويزيد .
محمد .. لي معه حكايات طوال ، فقديما كنت له المثل – هكذا قالها لي يوما – والقدوة ، أما الآن فهو لي القدوة والمثل في الكثير مما ألقاه في حياتي ، ففي السنتين المنصرمتين وجدتني تغيرت رؤيتي لأشياء ولم تُصبح كما عهدتها مني ثاقبة غالبا وصحيحه ، بل أصبحت ناقصة دوما وغير دقيقة وأصبح محمد لي مكملا وموجها في الكثير مما يُلم بي وذلك أرجعته لكثرة ماتحويه رأسي من آمال تتضاعف بقلة حيلة تُكسب العقل تشتتا لا أراكم الله إياه .
محمد .. تغير في آخر أيامه بعض الشئ ، فلم يعد كما كان مستمعا جيدا لي ، صابرا معي ؛ فأصبحت أنا بدوري أتعمد أن أتركه كثيرا بلا فيض وألتمس له العذر لما أراه من ملماته غير أنه دائم التعبير بالعين كمن يُعبر عن ضوء قمر في ليلة مظلمة تنير بضحكته إن ضحك وبإبتسامته أن شرف بثغره الإبتسام .
محمد .. سعادتي به وبفرحة ” القبطان ” إن جلست لأفيض بها كتابة فلن أنتهي إلا بكتاب عشق أُسر به لنفسي مع ما يحويه صدري وأترك عيني تُعبر له – إن إستطاعت – ولساني ينطق بما لم ينطق به لغيره قط .. لساني يردد و قلبي ينبض بنداء يتبعه دعاء ؛ فليس أقل في فرحتنا به من قولنا :
اللهم اجمع بينه وبين عروسه بكل خير ، اللهم ارزقه زرية صالحة تُقرُ بها عينه و تسعد بها قلبه ، اللهم أتبعنا إياه وإحعل لنا من فرحِه نصيب وإجعل لكل مُأمّـِن على دعائنا هذا منه نصيب حتى يردد معي بكل حب و إخلاص :
محمد ؛ حياك الله عريس الإسلام .