غزة ما بعد وقف إطلاق النار ، ” رؤية شخصية ” .

ard-el-rebat

كنتُ قد أجلتُ الحديث عما حدث في غزة في حينه لِما بعد إنتهاء العدوان الغاشم حتى أُكوِّن رؤية جامعة لما حدث ولمّا ينتهِ بعد وذلك لكثرة الآراء والتحليلات السياسية التي لا تعطي فرصة لتكوين رؤية واضحة دون تداخل الرؤى الأخرى .. ،

والآن وقد توقف العدوان بعض الشئ أجد أن لحظة التوقف للتدبر قد حانت ؛ ومعها نجد أن أكثر ما قد يلفت الأنظار فيما حدث هو وضوح التنافر العربي الشديد في الفكر والتعامل مع الأزمة ، وكيف أن الشقاق العربي كان هو السمة الظاهرة وقت العدوان حتى أننا انشغلنا كثيرا بالمزايدات التي كانت بين الحكام والشعوب العربية أيضا وتبادل الاتهامات إما بالتواطؤ أو بالبحث عن دور والرغبة في الظهور ،

وكعادة العرب في عدم إتفاقهم على شئ ظهرت خلافاتهم التي جعلتهم غير قادرين على فعل أي شئ غير إستجداء مجلس الأمن الموالي لأمريكا ولإسرائيل .. غير أن الذي يهمنا هو ماحدث وكيف حدث وتداعياته وما كشفه من

” خراب ذمم وتدني مكانة و تحجر فكر ورأي ” .. ،

والثابت عندي أن ماحدث كان بالإتفاق مع الإدارة الأمريكية السابقة ” بوش وأعوانه ” والحالية ” أوباما ومساعديه ” وذلك لأن اسرائيل لم ترغب أن تعكر قدوم الرئيس الجديد والدليل على ذلك أنها أنهت الحرب في خطوة غريبة بعض الشئ بدعوى تحقيق الاهداف ولكنها في الحقيقة لكي لا يأت الرئيس الجديد والحرب دائرة لِما قد يسببه له ذلك من حرج بعد أن غض البصر عن أفعالهم ؛ بل قِيل أنه نسّق معهم من خلال وزير دفاعه الجديد قبل دخول الحرب نفسها وهذا ما رآه الاستاذ هيكل وعبر عنه ،

أما عن فكرة تواطؤ القيادة المصرية بالموافقة على الحرب وتنسيق الإدارة الاسرائيلية معها فهذا ما لا يقبله عقل مصري منصف ؛ فرغم يقننا برغبة القيادة المصرية في محو حماس من الوجود ومعها الإخوان إلا أننا لا نصدق هذا التواطؤ الرخيص من رجل حارب ودافع عن وطنه وعروبته أو من رجل يعي الألاعيب السياسية الإسرائيلية السافرة .. ، لكنه بأدائه هذا قلل كثيرا من قدر مصر وقيمتها أمام شعبه خصوصا بعد الإتفاق الأمني بين تسيبي لفيني وزيرة الخارجية الاسرائيلية وكونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية – حول منع تهريب الأسلحة لحماس ؛ ورغم أن هذا الإتفاق يعني مصر بالضرورة لأنه يتحدث في جزء منه عن الحدود المصرية إلا أنهما عقدتاه دون الرجوع لمصر التي لم يعد تأثيرها مع الإدارة الأمريكية كسابق عهده من القيمة والقدر ،

ومما لفت نظري بشدة هو تلك المشادات الفكرية الصريحة بين وسائل الإعلام المختلفة حتى أني مع متابعتي لها كلها رددت كثيرا بيني وبين نفسي ” كلٌ يغني على ليلاه ” ، فقد أصبحت كل قناة تعبر عن فكر أصحابها وتوجهاتهم بعيدا عن المصداقية أو الموضوعية في التناول .. فمع وقوف الجزيرة خلف كل ما هو قطري تجد العربية تقف خلف السعودية ومصر ، وفي حين يقف التليفزيون المصري الرسمي بكل قوته خلف القيادة المصرية ومبادرتها ومعه الصحف الحكومية – الله يحرق رؤساء تحريرها – تجد الجزيرة تناصب مصر وقيادتها العداء بما تبثه لكل ما يسئ لمصر وقيادتها رغم نقلها للأحداث بمهنية وإحترافية شديدة جعلتها في صدارة القنوات التي يتهافت إليها المشاهد .. ، وأصبحت الحرب على غزة صراع أفكار وتوجهات بدل أن نعي أنها صراع عربي اسرائيلي ” ولا حول ولا قوة إلا بالله ” ، فقد استطاعت الدولة العبرية أن تُظهر فرقتنا – ولا أقل أنها فرقتنا لاننا أصلا على فرقة شديدة – وتُظهر الخُطب الحنجورية لأمثال الرئيس السوري الذي تحدث عما أخذ بالقوة الذي لا يُسترد بغير القوة وهو الذي لم يُطلق رصاصة خلال السنوات الماضية رغم حقه في السعي لتحرير جولانه بالقوة التي يدّعيها ، كذلك زعيم حزب الله الذي لم يتوان في مخاطبة الجيش المصري ومطالبته له بالخروج على شرعية حاكمه ومطالبته بالحرب والدفاع عن أخوته الذين لم يستطع هو تخفيف العبء عنهم بفتح جبهة لبنان لما يعلمه من تأثير ذلك على لبنان بعد أن ترد إسرائيل عليه بأشد ما قد يفعله هو ولم يفعله وأكتفى بالخطب والشعارات التي تحرك مشاعر العوام من الناس .. كذلك استطاعت اسرائيل أن تكشف عمق الصراعات الدولية بدخول إيران دائرة الضوء مع ظهور لعبة المصالح الدولية وتأثيرها على مواقف الدول ، ففي الوقت الذي لم يستطع فيه أي زعيم عربي طرد سفير إسرائيل أو سحب سفيره منها لوجود علاقات تجارية ومصالح مع الكيان الصهيوني وأمريكا ؛ ظهر علينا الرئيس الفنزويلي بطرده للسفير الاسرائيلي تضامنا مع غزة وما يحدث فيها وذلك أجده في الغالب لعداوته الشديدة للنظام الأمريكي وعدم وجود مصالح له مع أمريكا أو إسرائيل إلى جانب تعاطفه مع غزة إن سلمنا به .. ،

ومن أكثر ما لفت نظري هو أداء الأمين العام لجامعة الدول العربية .. ففي الوقت الذي نعلم عن الرجل سعيه الدائم للم الشمل العربي مع قناعته بالفرقة بين العرب وإنعدام جدوى الدعوة للتصالح العربي الاسرائيلي وفقدان الثقة في قرارات مجلس الأمن وفي تأثير مواقف الرئيس الجديد لأمريكا – نجده في أحد المؤتمرات مضطرا للقول : ” علينا أن ننتظر الرئيس الجديد للولايات المتحدة وسعيه للتغيير … وأن نذهب لمجلس الامن لطلب قرار بوقف العدوان فورا ” ؛ وهو على يقين أن مجلس الأمن لن ينفع ولن يشفع ولكنه مضطر لذلك بحكم موقعة الذي شرفه وتشرف به .. ،

وبعد أن إنتهت الحرب – تقريبا – بدأنا في الخلاف حول من إنتصر في الحرب ؛ هل اسرائيل أم المقاومة بفصائلها ؟

ولكل فريق مبرراته التي يستند عليها ، فمن يدّعون بإنتصار اسرائيل يقولون بتحقق أهداف الحرب من القضاء على بنية حماس العسكرية والقضاء على الأنفاق وغيرها ، ومن يدّعون بإنتصار حماس يقولون بعدم تحقق أهداف الكيان الاسرائيلي والدليل بقاء حماس وعدم قدرة العدو على الإجتياح البري ثم إنسحابه السريع من غزة بعد وقف النار و .. و .. ،

ولكني

وبكل صدق أرى الخاسر الأكبر هو غزة وشعبها الذي أنهكه الحصار ودمرته الآلة الحربية الاسرائيلية .. والشعب الفلسطيني الذي يرى إنقسام زعماءه وتبدد الأمل في تحرير الأرض فس ظل هذا الصراع على السلطة .. والشعب العربي الذي رأى إنقسام حكامه وتنافر مواقفهم ومزايدتهم على بعضهم،

هذا ولازال القلب ينزف مما حدث وما بأيدينا غير الدعاء بتفريج القرب وقُرب النصر الذي وعدنا به الله عز وجل .

اللهم نصرك الذي وعدت .

 

Advertisements

” نظرة بعمق ” .

حين يأتي العام الجديد يستهويني نظرة خاطفة على أحداث العام المنقضي وأمنيات ما هو آت ؛ فأجد ثمة تشابة شديد بين الأعوام المنقضية والأعوام الجديدة يجعلني دائما في ” حيص بيص ” لا لشئ سوى تشابه ما مضى لما هو آت مع اختلاف طفيف في رقم أكتبه على سبورة فصلي لتلاميذي حتى لا أتعرض لتوبيخ رئيسي أو تعليق موجة يزورني – وذلك لاني لم أكن لأهتم بذلك سوى لانه مفروض عليّ،

فدائما نقف مودعين العام المنقضي ونحن نعدد مساوءه وما مر بنا فيه من نكبات أصبحت غير مستغربة لكثرتها وتواليها .. مستقبلين العام الجديد بأمل في جديد أفضل يمحو مساوئ ماسبقه ؛ ولكن لا يأت إلا بمثل ما مضى أو دائما اسوأ ويزيد،

هذا ليس تشاؤما ولكنها نظرة تنتابني بشدة طوال الخمسة أعوام السابقة تحديدا لكثرة ما مر بنا فيها من مساوئ وكثرة ما تمنينا من آمال لما تتحقق – رغم منة الله علينا بالصحة والستر وغيرها من نعم لا ننكرها – حتى أننا نؤجل آمالنا عاما بعد آخر ولا ندري متى تتحقق والعمر يتفلت ، و حين نسترجع شريط ذكريات لأعوام سابقة بداية من عام 2003/2004 وهو عام الحرب على العراق وسقوط بغداد ؛ العام الذي رأينا بعيوننا فيه عاصمة الخلافة الاسلامية تسقط – ليس للمرة الأولى – وتحسرنا ؛ آملين في ما تلاه أن يصبح أكثر اعتدالا من سابقه ؛ لم يأت معتدلا ولكن جاء بما هو أهل له من نكبات الانتخابات الرئاسية والشعبية ثم انتهى بها ليبدأنا عام النكبات الكبرى 2006 الذي رغم بدايته الجيدة رياضيا إلا أنه بدأها بحادث العبارة الذي غرق فيه أكثر من ألف مصري ؛ وانتهى بحرب لبنان والدمار الذي لحق به ، ليأتي 2007 بضيقه وشدائده ليعقبه عام الدويقة 2008 الذي انتهى بالحرب على غزة لنبدأ معه عام 2009 بنفس الحرب التي لما تنتهِ ؛ وننتظر نهاية 2009 لنودعه بالـ ” قُلل ” التي دائما ما نودع بها الأعوام المنقضية .. ،

هذا التشابة الشديد في الأيام وسرعتها وكثرة أحداثها التي لا تكاد تنتهي واحدة إلا وتأخذنا الأخرى لتلهينا عن سابقتها تجعلني دائما – رغم ضعف ذاكرتي – أتذكر وحدي بعض الأحداث التي لم يتذكرها الناس بمجرد انشغالهم بأخرى وأسأل نفسي ” ياترى حصل ايه في كذا ؟ ولا خلص على ايه موضوع كذا ؟ ” وأبتسم بشدة من هذا النسيان العجيب الذي يُلهي الناس وينسيهم ما سبق أن انشغلوا به ، وهكذا تمر الساعات والأيام والشهور سريعة ومتتالية ليجد الانسان عامه الذي بدأه منذ قليل ؛ انتهى وتآكل من عمره عام بحلوه ومره،

هذه النظرة جعلتني دائما أنظر للايام القادمة بعين الحذر الشديد حتى لا أُفرط في التفاؤل الذي أفرطت فيه سابقا وكاد يوقعني كما لم أقع من قبل ، كذلك أُمسك نفسي عن التشاؤم الذي هو ليس من شيم المؤمنين بالقضاء وحُسن الظن بالله جلّ وعلا ؛ لأقف دائما – وهكذا أعتقد – بينهما في ” البين بين ” مودعا ما مضى .. مستقبلا ماهو آت .. ناسيا ، ومتناسيا .. مرددا قول ربي دائما :

” لا تدري لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرا ” صدق الله العظيم .